آخر الأخبار
  ...  أهلاً بكم في الموقع الرسمي للأديب المهندس غسان كامل ونوس  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: الهائمة- رواية- منال محمد يوسف - صافيتا- 2019م   ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: نفثات- كتابات 6- غسّان كامل ونّوس- صافيتا- 2019م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: جواز سفر- رواية- م وِراد خضر- صافيتا- 2019م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: على دروب الحنين- رواية - صبا حسين- صافيتا- 2019م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: تأملات في الثقافة العربيّة- بحث- م عاطف عبّاس حسن- صافيتا- 2019م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب الكتاب: تغريبة العقل- بحث- م باسل الخطيب- صافيتا- 2018م  ...  صدر حديثاً عن اتّحاد الكتّاب العرب: كأنّي..- غسّان كامل ونّوس- شعر- 2017م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب: طواحين هواء- جوزفين كوزاك- شعر- 2018م  ...  صدر حيثاً عن دار الهندسة والأدب: لي حكاية أخرى- شعر- منال محمّد يوسف- 2018م  ...  صدر حديثاً عن دار الهندسة والأدب: ما تبقّى من..- شعر- أسيل محمّد- 2018م  ...  صدر عن دار الهندسة والأدب: رَوح وريحان- قصص- نهلة سلمان يونس   ...  صدر عن دار الهندسة والأدب: وينتعلنَ ملحاً- قصص- ضحى أحمد   ...  صدر عن دار الهندسة والأدب: ريمي تحب وسيم- قصص- صفا حسين  ...  صدر في دمشق عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب: إيقاعات- كتابات 7- غسّان كامل ونّوس   ...  صدر في دمشق، عن دار الحافظ، ودار الهندسة والأدب: نسمات شرقيّة- رواية- طبعة ثانية- غسّان كامل ونّوس  ...  صدر عن دار الهندسة والأدب: ظلال سائبة- نصوص- جوليا علي  ...  صدر في دمشق عن اتّحاد الكتّاب العرب: تعويذة- قصص- غسّان كامل ونّوس
"ماذا يفعل النسر في السماء؟".. قراءة في رواية (أوقات برية)
كتابة : شاهر أحمد نصر
موقع نساء سوريا
( عدد القراءات : 414 )
imageimageimage

"ماذا يفعل النسر في السماء؟".. قراءة في رواية "أوقات برية"

الأديب غسان كامل ونوس مهندس مدني جمع بين العلم والثقافة والأدب، ولد في أدغال الصنوبر في الصليب القريبة من صافيتا الشام. دشن إنتاجه الأدبي المنشور بالقصة، نشر مجموعته القصصية الأولى "هامش الحياة.. هامش الموت" عام 1991، وأردفها بسبع مجموعات قصصية. أصدر في الشعر ديواناً تحت عنوان "تضاريس على أفق شاحب"، أما روايته الأولى فقد أصدرتها وزارة الثقافة في دمشق عام 1994، ثم أصدر رواية "تقاسيم الحضور والغياب"، وها نحن نطالع روايته الثالثة "أوقات برية".
تؤرق الكاتب كما تشي الرواية الهموم النفسية، والإنسانية، والوطنية، والاجتماعية، وتعبر عن توق كبير للشجاعة والجرأة في مواجهة القيود التي تلقي بالإنسان في مستنقعات الفساد والتشوه والإنحطاط، والعادات البائسة المكبلة للحرية ولتحقيق الذات... كما أنّه يتوق إلى الغوص في أغوار النفس، والمكنونات الإنسانية، ويفيض بشغفه لتحقيق وصقل ورهافة إنسانية الإنسان... هذا ما يتجلى في ذلك الكم من الخصال والهموم النفسية، والإنسانية، والاجتماعية التي تفيض الرواية بها.. والبحث المسهب، الذي لا يخلو من الثرثرة أحياناً، في أسباب وحقيقة التمايز بين البشر، "الفقر إحساس أكثر مما هو شح"ص172، مع طرح أسئلة وجودية محيرة: "هل ينجي الحذر من القدر؟"
سعيد إنسان بليد خنوع حيادي يودي به قدره إلى السجن بسبب حالة الفساد العامة والطاغية، التي قادته ليؤدي خدمة العلم في مزرعة السيد بدلاً من القطعات العسكرية، وبسبب عدم مقدرته تلبية رغبة زوجة السيد، التي ودت مضاجعته ثأراً من زوجها الذي يضاجع أخرى..
أية حالة نفسية تكتنف سجيناً متهماً دون إرادة بالفرار من الخدمة.. تتراكم الهواجس في وعيه الذي "كاد يلفظ أنفاسه"، عن سبب سجنه: "فرار أم تمرد أم اعتراض قبل التنفيذ؟! سهو، غفلة، شطط في الحساب، أو إهمال في المستودع؟! إفشاء، تقصير..." ولم ينس الكاتب نوعاً جديداً من التهم طغى في مرحلة حالكة، لست أدري إن كان علماء النفس سيجدون متسعاً من الوقت لتحليله، ألا وهو الـ"تلعثم الشعاراتي؟!".ص11
وتتداعى الذكريات، ويتفنن الكاتب بالتلاعب بالزمن خدمة للأحداث والأفكار التي يود تقديمها. ثلاثة طلاب من (العلّية) (حماد وسعدون والراوي البليد والخنوع والحيادي سعيد) يستأجرون غرفة في حارة بائسة.."لا تنس أن تضع الأوعية تحت المزراب!.. لن يفعل سعدون. قد يفعل، وحماد أيضاً. لكن لا يمكنك الاعتماد على أنّ عطشك لن يستفحل. وصبرك لن ينفد. صبرك أو لا وعيك، أو بلادتك.. خنوعك.. حياديتك أو غفلتك، أو.." ويبرر سعيد فائدة وأهمية هذه الخصال لعلها "صمام أمان لزمن منفلت".ص10
مع تداعي الذكريات يعرفنا الكاتب على معاناة الإنسان البسيط في مجتمع الضنك والفساد، فنتعرف على سعي شريحة واسعة من الطلبة، كسعيد طالب كلية الهندسة الزراعية، لإيجاد عمل مع الدراسة في الجامعة نتيجة تعثر الحال، دون جدوى. والعمل كمعلم ساعات في المدارس، ووصف حال أساتذة الساعات. ومعاناة الحياة الجامعية. ومعاناة تأمين مياه الشرب: "ستصبرون سنين حتى يصل الماء الحلو".. ومعاناة تقاضي العاملين لأجورهم في الشركات العامة. ومعاناة المرض والإفلاس في الغربة. ودراسة سعيد الجامعية، وتأخره عن الدوام، والموقف الإنساني من سائق السريفيس يوم الامتحان، على الرغم من فظاظة سعيد معه سابقاً، وحكاية صاحبة الدار الذي يسكنون فيه، وغياب ابنها حمد ورغبتها في زيارة الرجل الأخطبوط (القدار) لمعرفة مصير ابنها. وانتهاء دراسة حماد في المعهد المتوسط... ومتابعة سعدون دراسة الطب، والتمتع بالمجلات الجنسية التي يحضرها سلوم له.
وتسجل الرواية الحالة النفسية التي يعيشها أبناء مرحلة تاريخية كثرت فيها الكوابيس والمسيرات المكرورة، والمشاركة فيها رغم عدم الاقتناع بجدواها: "دفنت رأسي بين الرؤوس وكدت أقول (يا..) لكنني خفت أن يلتقط أحد ما تفسير ذلك من بين شفتي اللتين تتضامنان مع إيقاع الحروف الصاخب... استشعاراً باستبقائهما تحت السيطرة اتقاء الخدر والحيادية السلبية."ص133 "لم يكن الانقطاع القسري عن الدروس السبب الوحيد للأذى الذي أحسست به طوال تلك الأيام والليالي، ولا العراك المدخن مع المدفأة التي لم تطمئن إلينا بعد، بل تلك الحوارات التي ما برح سعدون يؤججها في حضرة صالح، مثيراً حالاً من التبجح بتأكيده أن مثل هذا التحرك الجماهيري على امتداد الوطن الكبير لن يجعل خطوات الاستسلام تستمر.."ص135
لا يغفل الكاتب حديث المهندس الزراعي سعيد عن البيئة، واتفاقية كيوتو... ويقحم في الرواية فانتازيا يلهمها له لدغ الأفعى لأحد الأبناء، ومطاردته لها إلى شجرة.. "لا يذكر سوى أنها لم تكن لدغة. وسقط من علٍ... الغابة تصغر وهو يعلو... وتوغل في الغياب".ص48
تعالج الرواية بجرأة فرز عسكري للخدمة في مزرعة السيد، كما ذكرنا، وكيف يؤدي البعض خدمة العلم في زمن الفساد، وتفضيل ولي أمره لذلك على ألا يخدم في الجبهة، أو في أي مكان خطر: (خذه إلى بيتك، إلى أرضك، اعتبره خدامك، من زلمك. خذ راتبه، احتفظ به لديك إلى ما يشاء الله. افعل به ما تشاء..)ص95 يفرد الكاتب صفحات عديدة لوصف العمل في المزرعة، وللحديث عن آفة الفساد التي تعشش في المجتمع وفي النفوس. ولتبيان المفارقات الاجتماعية والطبقية نصغي إلى ترهات سائق (الشبح) وتباهيه بقيادتها وفخره الأجوف.. ومقارنة ذلك مع قدوم أول سيارة إلى الضيعة.
لغز المرأة
جعل ذلك الكم المتنوع من الأحداث، والانتقالات النفسية، والزمنية المتنوعة، والمشتتة أحياناً، (جعل) الرواية تبدو وكأنّها تفتقد إلى لحمة تجمعها، فهي ليست من الروايات الكلاسيكية، بل لعلها تجمع بين رواية الأحداث، مع الغوص في النفس البشرية، لمعالجة قضايا متنوعة؛ أهمها وعمودها الفقري، والذي ربما يلعب دور اللحمة وأحد الخيوط الجامعة للرواية، هو محاولة حل لغز علاقة الرجل بالمرأة. ولا تبخس بعض الأحاديث المطولة حول الجنس والتي تفتقد إلى لمسة فنية جمالية مشوقة، ولا الأحكام التي تحتاج إلى تدقيق: ـ "حين تقول للمرأة، أية امرأة: أنت جميلة تمتلكها!"ص128ـ من حقيقة أنّ الكاتب قد يكون من أوائل الكتاب العرب، حسب زعمنا، الذين يغوصون بجرأة في جوهر وأعماق هذه المسألة الطبيعية والإنسانية الهامة... هذا هو الهاجس الذي يقلق سعيد قبل تعرفه على زوجة السيد، وقبل دخوله السجن... أهو أمر صعب، أم أن الحال يسيرة كما تبين له؟ خاصة بعد حصول تلك العلاقة العابرة مع ابنة الجيران في الجامعة، وثرثرته معها، وإيماءاتها الجنسية، وتقربها منه...
"يزداد عجبه حين يعرف أنّ الأسماك تذهب مسافاة طويلة شاقة للتكاثر، والطيور تهاجر آلاف الأميال، وتقتل النحلات ذكورها بعد التلقيح".
لم تلفت زيارات زوجة السيد، ودخولها المزرعة باستعلاء، انتباهه.. "لم يكن وجودها قبل الآن يعنيه، ولم تشغله طقوس حضورها أو غيابها"ص13 لكنها أخذت تتقرب منه.. مما يحفز البحث في خبايا المرأة والرغبة: "الرغبة دعوة! متى تهل؟! لِمَ تأتي المبادرة من الأنثى؟ الرغبة نداء الحياة.. هل هي لا إرادية؟! لا واعية؟ أو ربما وعي من نوع آخر".ص76 كانت المعادلة ثنائية: رغبة وفعل. أضحت ثلاثية: رغبة وحب وفعل. قد يعوض بالحب الطقس لأجل غير مسمى. وتعود أحادية فعل وأصداء خيبة".ص77
أجل إن الكاتب مسكون بهاجس البحث في أغوار النفس البشرية عن حقيقة الشهوة والمتعة والمرأة، والحب، محاولاً القبض على جوهرها، غير متجاهل بلوى (صخرة سيزيف): "حين تنتشي تصل حدوداً تشتهي أن تبقى في أفيائها. لكنك حين تصل، سرعان ما تسقط من علٍ خائباً. وما تلبث بعد حين أن تعود الرغبة لتلكزك من جديد... ما الفرق بين اللحظات، حين تكون في مواقعة حقيقية مع امرأة أو حين تكون وحيداً؟"ص97 ويستحضر الطبيعة، لتأييد رؤيته، الطبيعة التي "تمد أي عضو إلى أي مكان دون جزع أو هلع أو تلفت"ص99 وليس مصادفة استحضاره لنوال السعداوي، لتقول: "إن الحب هو ما يتبقى من مشاعر بعد أن تشبع الغرائز".ص156
المفاجآت في الرواية قليلة، توجد مفاجأة نادرة مشوقة، وردت في إطار بحث الكاتب في لغز المرأة: زيارة سعيد لمنصور الذي كان يعد وليمة لمعاقرة امرأة، وإذ به يتلقى فور قدوم سعيد هاتفاً عن موت والده، فيضطر للسفر، ويترك الوليمة والمرأة لسعيد: "وانفلتت الغريزة دون انتظار. حين أحست بذلك، وبعد أن تراخيت، وكانت ما تزال تتضاغط، صفعتني على وجهي ورأسي وصدري، وأماكن أخرى.."ص152
ولعل الكاتب يريد أن يلخص متاهات وجنى من يبحث في لغز المرأة بما حصل لسعيد بعد اقتياد زوجة السيد له إلى فراشها، وإجباره على ممارسة الجنس معها، كرهاً لزوجها الذي يجامع أخرى: "ـ دس حيثما تشاء، لا أريد أن يبقى أثر على صورتي معه! هيا.. إلي."ص182 فشله كان سبباً في الثمن الباهظ الذي دفعه: "بدت حركاتها محمومة أكثر. اجتاحتني بكل أعضائها. لكن برودة العالم جمدتني. فانهالت بيديها على وجهي، ورأسي، وصدري، وفخذي. ثم انهالت على رأسها ووجهها... وقفت أمام المرآة بكامل جسدها المفتوح. واندفعت تضربها برأسها ضربات متوالية. ثم تطلعت نحوي. أغمضت عيني تفادياً لشرر عينيها:
ـ ستندم يا ابن العلّية، ستندم كثيراً.. أنت أيضاً".ص185
وددت لو أنهى الكاتب روايته هنا. لأنني وجدت الفصل التالي كما بعض الفصول الأخرى، كالعاشر، وبعض الأحداث في بعض الفصول محشوة أرهقت هذه الرواية المميزة.
لغة الرواية متينة وسلسة، ربما كانت بعض المقاطع تحتاج إلى نحت لغوي، ولغة شاعرية، تسمو إلى مصاف الصور الفنية التي اجتهد الكاتب في إبداعها وتكرارها في أكثر من فصل "ماذا يفعل النسر في السماء؟" ولعلني وجدت في الفصل الحادي عشر من الرواية نقلة نوعية.. إذ زاد استحضار الطبيعة النص ألقاً: "أغصان موشومة بنثار من ورق زهر الليمون: أبيض ناصع وقرمزي وأحمر.. تحس المزرعة فتيات وفتياناً في رقصة تعبيرية، سرعان ما تبدأ مع هبوب النسيم.
الأغصان بدأت التصفيق، نثارات الأزهار تتطاير كالفراشات الملونة. وقد ازدادت موجات الريح. الطلائع بدأت تصفق. هل هذا التصفيق مقدر أيضاً؟ّ مجاني وحيادي؟!"ص92
بعض الصور عادية، كما لغتها ومفرداتها: "الريح ستخبو، والشمس ستطلع، والمطر سيهطل. الدنيا ستتفتح.." تمنيت لو تعب الكاتب أكثر في نحت المفردات والعبارات، كما فعل الملوحي عندما أبدع لوحة مشابهة، وإن كان ذلك في مناسبة أخرى (رثاء ابنته ورود):
لا تعبأُ الأشجارُ بالأوراقِ تنثرُها الريـــــــاحُ
والزَّهْرُ يسخر بالندى دمعاً يبدّده الصبـــــــاحُ
يفنى رذاذُ البحرِ يزبدُ موجُه ، والبحرُ يبقــــــى
نحن الرذاذُ رمى بنا بحرُ الحياةِ وراحَ طلقــــــا
أجاد الكاتب فن التعامل مع الزمان والمكان، فهو لم يؤطر روايته بزمان ومكان محددين، وترك الأحداث تشي بالزمان والمكان، فأغلب أحداث الرواية وقعت في ثمانينيات القرن العشرين، أوقات الأحداث والتفجيرات والإخوان.. ولم يكن الكاتب محايداً، من تلك الأحداث، بل حافظ على خطه الوطني الغيور على جميع أبناء الوطن، من مختلف المشارب، بإشارته إلى أحداث الثمانينيات والموقف منها: "أية مهمة تحبب إلينا العراك مع أشقاء وأولاد عم؟! من يمكن أن يكون فرحاً، وهو الذاهب إلى ملاقاة من يعيش معهم؟ تربى وإياهم، وما زالوا يتجاورون في الغرف المكتظة باللهجات والشوارع المحفرة، في الحارات التي تتواجه فيها النوافذ، وتتلامس الشرفات إن وجدت؟"ص166
يمكن تصنيف رواية أوقات برية" للأديب غسان كامل ونوس، في صفوف الروايات التجريبية الحديثة الريادية... إنها رواية الإنسان البسيط العادي المثقل بهموم الحياة اليومية المضنية، في زمن الفساد والإنحطاط، والذي لا تلهيه كل تلك الهموم عن البحث عن الحقيقة والغوص في ذاته، والبحث عن لغز المرأة ولغز الحياة، وسبل تعزيز إنسانية الإنسان.
الرواية طباعة وإخراج دار (إنانا) للطباعة والنشر، دمشق 2006، صمم الغلاف الفنان أحمد إسماعيل، أما لوحة الغلاف فهي للفنان علي حسن محمد.


imageimage